فصل: تفسير الآيات رقم (109- 111)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏111- 112‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏111‏)‏ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِى‏}‏ منصوب ب ‏{‏رحيم‏}‏ أو ب «اذكر» ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا‏}‏ وإنما أضيفت النفس إلى النفس لأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي، فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل‏:‏ يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كلٌّ يقول‏:‏ نفسي نفسي‏.‏ ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم‏:‏ ‏{‏هَؤُلاء أَضَلُّونَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 38‏]‏ ‏{‏ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 67‏]‏ الآية ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 23‏]‏ ‏{‏وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ‏}‏ تعطى جزاء عملها وافياً ‏{‏وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ في ذلك‏.‏ ‏{‏وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً‏}‏ أي جعل القرية التي هذه حالها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذراً من مثل عاقبتها ‏{‏كَانَتْ ءَامِنَةً‏}‏ من القتل والسبى ‏{‏مُّطْمَئِنَّةً‏}‏ لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف ‏{‏يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا‏}‏ واسعاً ‏{‏مِّن كُلِّ مَكَانٍ‏}‏ من كل بلد ‏{‏فَكَفَرَتْ‏}‏ أهلها ‏{‏بِأَنْعُمِ الله‏}‏ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس ‏{‏فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ‏}‏ الإذاقة واللباس استعارتان والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، ووجه صحة ذلك أن الإذاقة جارية عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون‏:‏ ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع‏.‏ وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل‏:‏ فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 116‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏113‏)‏ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏114‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏115‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ‏(‏116‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ‏}‏ أي محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظالمون‏}‏ أي في حال التباسهم بالظلم قالوا‏:‏ إنه القتل بالسيف يوم بدر‏.‏ رُوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم فقال‏:‏ ‏"‏ الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع ‏"‏ ‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله‏}‏ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏حلالا طَيِّباً‏}‏ بدلاً عما كنتم تأكلونه حراماً خبيثاً من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب ‏{‏واشكروا نِعْمَتَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة لأنها شفعاؤكم عنده‏.‏ ثم عدد عليهم محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ «إنما» للحصر أي المحرم هذا دون البحيرة وأخواتها وباقي الآية قد مر تفسيره ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب‏}‏ هو منصوب ب ‏{‏لا تقولوا‏}‏ أي ولا وتقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم‏:‏ ‏{‏مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 139‏]‏ من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي أو إلى القياس المستنبط منه‏.‏ واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام‏.‏ وقوله ‏{‏هذا حلال وهذا حَرَامٌ‏}‏ بدل من الكذب ولك أن تنصب ‏{‏الكذب‏}‏ ب ‏{‏تصف‏}‏ وتجعل «ما» مصدرية وتعلق ‏{‏هذا حلال وهذا حرام‏}‏‏.‏ ب ‏{‏لا تقولوا‏}‏ أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام وهذا لوصف ألسنتكم الكذب، أي ولا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان‏.‏ وقوله ‏{‏تصف ألسنتكم الكذب‏}‏ من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته كقولك «وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر» واللام في ‏{‏لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب‏}‏ من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض ‏{‏إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 119‏]‏

‏{‏مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏117‏)‏ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏118‏)‏ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏119‏)‏‏}‏

‏{‏متاع قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ هو خبر مبتدأ محذوف أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعذابها عظيم‏.‏ ‏{‏وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ‏}‏ في سورة الأنعام يعني ‏{‏وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏ الآية ‏{‏وَمَا ظلمناهم‏}‏ بالتحريم ‏{‏ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ فحرمنا عليهم عقوبة على معاصيهم ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة‏}‏ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، ومرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى ‏{‏ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا‏}‏ من بعد التوبة ‏{‏لَغَفُورٌ‏}‏ بتكفير ما كثروا قبل من الجرائم ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ بتوثيق ما وثقوا بعد من العزائم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 123‏]‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏120‏)‏ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏121‏)‏ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏122‏)‏ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً‏}‏ إنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير كقوله

ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

وعن مجاهد‏:‏ كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار، أو كان أمة بمعنى مأموم يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير ‏{‏قَانِتاً لِلَّهِ‏}‏ هو القائم بما أمره الله‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إن معاذاً كان أمة قانتاً لله فقيل له‏:‏ إنما هو إبراهيم عليه السلام‏.‏ فقال‏:‏ الأمة الذي يعلم الخير والقانت المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ لو كان معاذ حياً لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة لله قانت لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون ‏"‏ ‏{‏حَنِيفاً‏}‏ مائلاً عن الأديان إلى ملة الإسلام ‏{‏وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ نفى عنه الشرك تكذيباً لكفار قريش لزعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم، وحذف النون للتشبيه بحروف اللين ‏{‏شَاكِراً لأَنْعُمِهِ‏}‏ رُوى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال‏:‏ الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ‏{‏اجْتَبَاهُ‏}‏ اختصه واصطفاه للنبوة ‏{‏وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ إلى ملة الإسلام ‏{‏وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً‏}‏ نبوة وأموالاً وأولاداً، أو تنويه الله بذكره فكل أهل دين يتولونه، أو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم ‏{‏وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ لمن أهل الجنة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكين‏}‏ في «ثم» تعظيم منزلة نبينا عليه السلام وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته

تفسير الآيات رقم ‏[‏124- 126‏]‏

‏{‏إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏124‏)‏ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏125‏)‏ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ‏(‏126‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ‏}‏ أي فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه ‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ رُوى أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا‏:‏ نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله ‏{‏ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ‏}‏ إلى الإسلام ‏{‏بِالْحِكْمَةِ‏}‏ بالمقالة الصحيحة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة ‏{‏وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ‏}‏ وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها، أو بالقرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، أو الحكمة المعرفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة ‏{‏وَجَادِلُهُم بِالِّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة، أو بما يوقظ القلوب ويعظ النفوس ويجلو العقول وهو رد على من يأبى المناظرة في الدين ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏}‏ أي هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل‏.‏ ‏{‏وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ‏}‏ سمى الفعل الأول عقوبة والعقوبة هي الثانية لازدواج الكلام كقوله ‏{‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏ فالثانية ليست بسيئة، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أونحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه‏.‏ رُوى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد، وبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، فرأى النبي عليه السلام حمزة مبقور البطن فقال‏:‏ «أما والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك» فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده‏.‏ ولا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور ‏{‏وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ‏}‏ الضمير في ‏{‏لهو‏}‏ يرجع إلى مصدر ‏{‏صبرتم‏}‏ والمراد بالصابرين المخاطبون أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع ‏{‏الصابرين‏}‏ موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الآيات رقم ‏[‏127- 128‏]‏

‏{‏وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ‏(‏128‏)‏‏}‏

‏{‏وَاصْبِرْ‏}‏ أنت فعزم عليه بالصبر ‏{‏وَمَا صبَرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ‏}‏ أي بتوفيقه وتثبيته ‏{‏وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏}‏ على الكفار أن لم يؤمنوا وعلى المؤمنين وما فعل بهم الكفار فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم ‏{‏وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ‏}‏ ‏{‏ضِيق‏}‏ مكي‏.‏ والضيق تخفيف الضيق أي في أمر ضيق ويجوز أن يكونا مصدرين كالقيل والقول، والمعنى ولا يضيقن صدرك من مكرهم فإنه لا ينفذ عليك ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا والَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ أي هو ولي الذين اجتنبوا السيئات وولي العاملين بالطاعات‏.‏ قيل‏:‏ من اتقى في أفعاله وأحسن في أعماله كان الله معه في أحواله‏.‏ ومعيته نصرته في المأمور وعصمته في المحظور‏.‏

سورة الإسراء

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏سُبْحَانَ‏}‏ تنزيه الله عن السوء وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إِظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسده ودل على التنزيه البليغ ‏{‏الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ‏}‏ محمد صلى الله عليه وسلم وسرى وأسرى لغتان ‏{‏لَيْلاً‏}‏ نصب على الظرف وقيده بالليل والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد، أو ليدل بلفظ التنكير على تقرير مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ‏{‏مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ قيل‏:‏ أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب‏.‏ والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ الحرم كله مسجد‏.‏ وقيل‏:‏ هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، فقد قال عليه السلام‏:‏ «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق وقد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة» وكان العروج به من بيت المقدس وقد أخبر قريشاً عن عيرهم وعدد جمالها وأحوالها، وأخبرهم أيضاً بما رأى في السماء من العجائب، وأنه لقي الأنبياء عليهم السلام وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وكان في اليقظة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ والله ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه‏.‏ وعن معاوية مثله‏.‏ وعلى الأول الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم ‏{‏إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَا‏}‏ هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ‏{‏الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ يريد بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة ‏{‏لِنُرِيَهُ‏}‏ أي محمداً عليه السلام ‏{‏مِنْ آيَاتِنَا‏}‏ الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها من الآيات ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‏}‏ للأقوال ‏{‏الْبَصِيرُ‏}‏ بالأفعال ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل ‏{‏أسرى‏}‏ ثم ‏{‏باركنا‏}‏ ثم ‏{‏إنه هو‏}‏ وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 4‏]‏

‏{‏وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ‏(‏2‏)‏ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ‏(‏3‏)‏ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏وَآتَيْنَا مُوَسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ‏}‏ أي الكتاب وهو التوراة ‏{‏هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا‏}‏ أي لا تتخذوا‏.‏ وبالياء‏:‏ أبو عمرو أي لئلا يتخذوا ‏{‏مِن دُونِي وَكِيلاً‏}‏ رباً تكلون إليه أموركم ‏{‏ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ‏}‏ نصب على الاختصاص أو على النداء فيمن قرأ ‏{‏لا تتخذوا‏}‏ بالتاء على النهي أي قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلاً يا ذرية من حملنا مع نوح ‏{‏إِنَّهُ‏}‏ إن نوحاً عليه السلام ‏{‏كَانَ عَبْداً شَكُوراً‏}‏ في السراء والضراء، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم، وروي أنه كان لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس إلا قال الحمد لله، وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الاقتداء بسنة الآباء وقد عرفتم حال الآباء هنالك فكونوا أيها الأبناء كذلك‏.‏

‏{‏وقضينا إلى بني إِسْرَآءِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ‏}‏ وأوحينا إليهم وحياً مقضياً أي مقطوعاً مبتوتاً بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة‏.‏ والكتاب التوراة، ولتفسدن جواب محذوف أو جرى القضاء المبتوت مجرى القسم فيكون ‏{‏لتفسدن‏}‏ جواباً له كأنه قال وأقسمنا لتفسدن في الأرض ‏{‏مَرَّتَيْنِ‏}‏ أولاهما قتل زكرياء عليه السلام وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله، والأخرى قتل يحيى بن زكرياء عليهما السلام وقصد قتل عيسى عليه السلام ‏{‏وَلَتَعْلُنَّ عُلُوَّاً كَبِيراً‏}‏ ولتستكبرن عن طاعة الله من قوله ‏{‏إِن فرعون علا في الأَرض‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 4‏]‏ والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ‏(‏5‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‏(‏6‏)‏ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا‏}‏ أي وعد الله عقاب أولاهما ‏{‏بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ‏}‏ سلطنا عليكم ‏{‏عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدِ‏}‏ أشداء في القتال يعني سنجاريب وجنوده أو بختنصر أو جالوت، قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفاً ‏{‏فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ‏}‏ ترددوا للغارة فيها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الجوس طلب الشيء بالاستقصاء ‏{‏وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً‏}‏ وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يفعل ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ‏}‏ أي الدولة والغلبة ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو‏.‏ قيل‏:‏ هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم‏.‏ وقيل أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت ‏{‏وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً‏}‏ مما كنتم وهو تمييز جمع نفر وهو من ينفر مع الرجل من قومه‏.‏

‏{‏إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا‏}‏ قيل اللام بمعنى «على» كقوله‏:‏ ‏{‏وعليها ما اكتسبت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏ والصحيح أنها على بابها لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله، حسنة كانت أو سيئة يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها ‏{‏فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ‏}‏ وعد المرة الآخرة بعثناهم ‏{‏لِيَسوؤوا‏}‏ أي هؤلاء ‏{‏وُجُوهَكُمْ‏}‏ وحذف لدلالة ذكره أولاً عليه أي ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها كقوله ‏{‏سيئت وجوه الذين كفروا‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 27‏]‏ ‏{‏ليسوء‏}‏ شامي وحمزة وأبو بكر، والضمير لله عز وجل أو للوعد أو للبعث‏.‏ ‏{‏لنسوء‏}‏ علي‏.‏ ‏{‏وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ‏}‏ بيت المقدس ‏{‏كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً‏}‏ ‏{‏ما علوا‏}‏ مفعول ل ‏{‏يتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، أو بمعنى مدة علوهم

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏10‏)‏ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ‏(‏11‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ‏(‏12‏)‏ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ‏(‏13‏)‏ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏}‏ بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي ‏{‏وَإِنْ عُدتُّمُ‏}‏ مرة ثالثة ‏{‏عُدْنَا‏}‏ إلى عقوبتكم وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ سلط عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة ‏{‏وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً‏}‏ محبساً‏.‏ يقال‏:‏ للسجن محصر وحصير‏.‏

‏{‏إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏}‏ للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها وهي توحيد الله والإيمان برسله والعمل بطاعته أو للملة أو للطريقة ‏{‏ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ‏}‏ ويَبْشر حمزة وعلي ‏{‏أَنَّ لَهُمْ‏}‏ بأن لهم ‏{‏أَجْراً كَبِيراً‏}‏ أي الجنة ‏{‏وَأَنَّ الَّذِينَ‏}‏ وبأن الذين ‏{‏لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا‏}‏ أي أعددنا قلبت تاء ‏{‏لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ يعني النار‏.‏ والآية ترد القول بالمنزلة بين المنزلتين حيث ذكر المؤمنين وجزاءهم، والكافرين وجزاءهم، ولم يذكر الفسقة ‏{‏وَيَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ‏}‏ أي ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير، أو يطلب النفع العاجل وإن قل بالضرر الآجل وإن جل ‏{‏وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً‏}‏ يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه تأني المتبصر، أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، ‏{‏وكان الإنسان عجولاً‏}‏ يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال‏؟‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو النضر بن الحارث قال‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ الآية‏.‏ فأجيب فضربت عنقه صبراً‏.‏ وسقوط الواو من ‏{‏يدع‏}‏ في الخط على موافقة اللفظ ‏{‏وَجَعَلْنَا الَّليْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّليْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو جعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر‏.‏ فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم نخلق له شعاعاً كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ‏{‏لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم ‏{‏وَلِتَعْلَمُوا‏}‏ باختلاف الجديدين ‏{‏عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏}‏ يعني حساب الآجال ومواسم الأعمال، ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار ‏{‏وَكُلَّ شَيْءٍ‏}‏ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ‏{‏فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً‏}‏ بيناه بياناً غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا‏.‏

‏{‏وَكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ‏}‏ عمله ‏{‏فِي عُنُقِهِ‏}‏ يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل للعنق لا يفك عنه ‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ‏}‏ هو صفة ل ‏{‏كتابا‏}‏ ً‏.‏

يُلقَّاه شامي ‏{‏مَنْشوراً‏}‏ حال من ‏{‏يلقاه‏}‏ يعني غير مطوي ليمكنه قراءته أو هما صفتان للكتاب ونقول له ‏{‏اقْرَأْ كِتَابَكَ‏}‏ أي كتاب أعمالك وكلٌّ يُبعث قارئاً ‏{‏كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ‏}‏ الباء زائدة أي كفى نفسك ‏{‏حَسِيباً‏}‏ تمييز وهو بمعنى حاسب وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي‏.‏ وضع موضع الشهيد فعدي«بعلى» لأن الشاهد يكفي المدعى ما أهمه، وإنما ذكر حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير إذا الغالب أن يتولى هذه الأمور الرجال فكأنه قيل‏:‏ كفى نفسك رجلاً حسيباً، أو تؤوّل النفس بالشخص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 18‏]‏

‏{‏مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ‏(‏16‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏17‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ أي فلها ثواب الاهتداء وعليها وبال الضلال ‏{‏وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ أي كل نفس حاملة وزراً فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى ‏{‏وَمَا وَكُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ وما صح منا أن نعذب قوماً عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم رسولاً يلزمهم الحجة ‏{‏وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً‏}‏ أي أهل قرية ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ متنعميها وجبابرتها بالطاعة عن أبي عمرو والزجاج ‏{‏فَفَسَقُوا فِيهَا‏}‏ أي خرجوا عن الأمر كقولك «أمرته فعصى» أو ‏{‏أمرنا‏}‏ كثرنا، دليله قراءة يعقوب أمرنا ومنه الحديث ‏"‏ خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ‏"‏ أي كثيرة النسل ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ‏}‏ فوجب عليها الوعيد ‏{‏فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏ فأهلكناها إهلاكاً ‏{‏وَكَمْ‏}‏ مفعول ‏{‏أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ‏}‏ بيان لكم ‏{‏مِن بَعْدِ نُوحٍ‏}‏ يعني عاداً وثموداً وغيرهما ‏{‏وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خِبِيراً‏}‏ وإن أخفوها في الصدور ‏{‏بَصِيراً‏}‏ وإن أرخوا عليها الستور‏.‏

‏{‏مَن كَانَ يُريدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشآءُ‏}‏ لا ما يشاء ‏{‏لِمَن نُّرِيدُ‏}‏ بدل من ‏{‏له‏}‏ بإعادة الجار وهو بدل البعض من الكل إذ الضمير يرجع إلى ‏{‏من‏}‏ أي من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد المعجل بمشيئته والمعجل له بإرادته وهكذا الحال، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه، وكثيراً منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار غنى الآخرة فإن أوتي حظاً من الدنيا فبها، وإلا فربما كان الفقر خيراً له ‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ‏}‏ في الآخرة ‏{‏يَصْلاهَا‏}‏ يدخلها ‏{‏مَذْمُوماً‏}‏ ممقوتاً ‏{‏مَّدْحُوراً‏}‏ مطروداً من رحمة الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 23‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ‏(‏19‏)‏ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ‏(‏20‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ‏(‏21‏)‏ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ‏(‏22‏)‏ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وسعى لَهَا سَعْيَهَا‏}‏ هو مفعول به أو حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ مصدق لله في وعده ووعيده ‏{‏فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً‏}‏ مقبولاً عند الله مثاباً عليه‏.‏ عن بعض السلف‏:‏ من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله‏:‏ إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا الآية‏:‏ فإنه شرط فيها ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً‏:‏ إرادة الآخرة والسعي فيما كلف والإيمان الثابت ‏{‏كُلاً‏}‏ كل واحد من الفريقين والتنوين عوض عن المضاف إليه وهو منصوب بقوله ‏{‏نُّمِدُّ هَؤُلآءِ‏}‏ بدل من ‏{‏كلاً‏}‏ أي نمد هؤلاء ‏{‏وهؤلاءآء‏}‏ أي من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة ‏{‏مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ‏}‏ رزقه و«من» تتعلق «بنمد» والعطاء اسم للمعطي أي نزيدهم من عطائنا ونجعل الآنف منه مدداً للسالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي جميعاً على وجه التفضل ‏{‏وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً‏}‏ ممنوعاً عن عباده وإن عصوا ‏{‏انظُرْ‏}‏ بعين الاعتبار ‏{‏كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ‏}‏ في المال والجاه والسعة والكمال ‏{‏وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً‏}‏ روي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو‏:‏ إنما أتينا من قبلنا‏.‏ إنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر‏.‏

‏{‏لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ‏}‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ‏{‏فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً‏}‏ فتصير جامعاً على نفسك الذم والخذلان‏.‏ وقيل‏:‏ مشتوماً بالإهانة محروماً عن الإعانة، إذ الخذلان ضد النصر والعون‏.‏ دليله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 160‏]‏ حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر‏.‏

‏{‏وقضى رَبُّكَ‏}‏ وأمر أمراً مقطوعاً به ‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُوآ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ «أن» مفسرة و‏{‏لا تعبدوا‏}‏ نهي أو بأن لا تعبدوا ‏{‏وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏ وأحسنوا بالوالدين إحساناً أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً ‏{‏إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ‏}‏ «إما» هي «أن» الشرطية زيد عليها «ما» تأكيداً لها ولذا دخلت النون المؤكدة في الفعل ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها لا تقول‏.‏ «إن تكرمن زيداً يكرمك» ولكن «إما تكرمنه» ‏{‏أَحَدُهُمَآ‏}‏ فاعل ‏{‏يبلغن‏}‏ وهو في قراءة حمزة وعليّ ‏{‏يبلغان‏}‏ بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين ‏{‏أَوْ كِلاهُمَا‏}‏ عطف على ‏{‏أحدهما‏}‏ فاعلاً وبدلاً ‏{‏فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ‏}‏ مدني وحفص‏.‏ ‏{‏أفّ‏}‏ َ مكي وشامي‏.‏ ‏{‏أفّ‏}‏ ُ غيرهم‏.‏ وهو صوت يدل على تضجر فالكسر على أصل التقاء الساكنين والفتح للتخفيف، والتنوين لإرادة التنكير أي أتضجر تضجراً، وتركه لقصد التعريف أي أتضجر التضجر المعلوم ‏{‏وَلا تَنْهَرْهُمَا‏}‏ ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك والنهي والنهر أخوان ‏{‏وَقُل لَّهُمَا‏}‏ بدل التأفيف والنهر ‏{‏قَوْلاً كَرِيماً‏}‏ جميلاً ليناً كما يقتضيه حسنِ الأدب أو هو أن يقول‏:‏ يا أبتاه يا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ نحلني أبو بكر كذا، وفائدة ‏{‏عندك‏}‏ إنهما إذا صارا كلاً على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه وذلك أشق عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما «أف» فضلاً عما يزيد عليه، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‏(‏24‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ‏}‏ أي اخفض لهما جناحك كما قال ‏{‏واخفض جناحك للمؤمنين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 88‏]‏ فأضافه إلى الذل كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل ‏{‏مِنَ الرَّحْمَةِ‏}‏ من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ وألن جانبك متذللاً لهما من مبالغتك في الرحمة لهما ‏{‏وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً‏}‏ ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء، لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك‏.‏ والمراد بالخطاب غيره عليه السلام، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين، وقيل‏:‏ إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» وروي «يفعل البار ما شاء أن يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة» وعنه عليه السلام‏:‏ «إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين» ‏{‏رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفِوسِكُمْ‏}‏ بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين ومن النشاط والكرامة في خدمتهما ‏{‏إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ‏}‏ قاصدين الصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله واستغفرتم منها ‏{‏فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً‏}‏ الأواب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة فجاز أن يكون هذا عاماً لكل من فرطت منه جناية، ثم تاب منها ويندرج تحت الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 29‏]‏

‏{‏وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ‏(‏27‏)‏ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ‏(‏28‏)‏ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏وَآتِ ذَا القربى‏}‏ منك ‏{‏حَقَّهُ‏}‏ أي النفقة إذا كانوا محارم فقراء ‏{‏وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ‏}‏ أي وآت هؤلاء حقهم من الزكاة ‏{‏وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً‏}‏ ولا تسرف إسرافاً‏.‏ قيل‏:‏ التبذير تفريق المال في غير الحل والمحل، فعن مجاهد‏:‏ لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً‏.‏ وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه‏:‏ لا خير في السرف فقال‏:‏ لا سرف في الخير ‏{‏إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوآ إِخوَانَ الشَّيَاطِينِ‏}‏ أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف ‏{‏وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً‏}‏ فما ينبغي أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله‏.‏

‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ‏}‏ إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد ‏{‏ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً‏}‏ أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم رداً جميلاً، فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه، فوضع المسبب موضع السبب، يقال‏:‏ يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم كأن معناه قولاً ذا ميسور وهو اليسر أي دعاء فيه يسر‏.‏ و‏{‏ابتغاء‏}‏ مفعول له أو مصدر في موضع الحال و‏{‏ترجوها‏}‏ حال ‏{‏وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنْقِكَ وَلا تُبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏ ‏{‏كل‏}‏ نصب على المصدر لإضافته إليه‏.‏ وهذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف أمر باقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير ‏{‏فَتَقْعُدَ مَلُوماً‏}‏ فتصير ملوماً عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس يقول الفقير‏:‏ أعطى فلاناً وحرمني، ويقول الغني‏:‏ ما يحسن تدبير أمر المعيشة، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت ‏{‏مَّحْسُوراً‏}‏ منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا أثر فيه أثراً بليغاً أو عارياً من حسر رأسه‏.‏ وقد خاطرت مسلمة ضرتها اليهودية في أنه يعني محمداً عليه السلام أجود من موسى عليه السلام فبعثت ابنتها تسأله قميصه الذي عليه فدفعه وقعد عرياناً فأقيمت الصلاة فلم يخرج للصلاة فنزلت‏.‏ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأَن ذلك ليس لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك، ولكن لأن بسط الأرزاق وقدرها مفوض إلى الله تعالى فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ‏(‏32‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءَ‏}‏ فليس البسط إليك ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ أي هو يضيق فلا لوم عليك ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً‏}‏ بمصالحهم فيمضيها ‏{‏بَصِيراً‏}‏ بحوائجهم فيقضيها‏.‏

‏{‏وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ‏}‏ قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم ‏{‏خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏}‏ فقر ‏{‏نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ‏}‏ نهاهم عن ذلك وضمن أرزاقهم ‏{‏إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً‏}‏ إثماً عظيماً‏.‏ يقال‏:‏ خطئ خطأ كأثم إثماً‏.‏ ‏{‏خطأ‏}‏ شامي وهو ضد الصواب اسم من أخطأ‏.‏ وقيل‏:‏ والخطء كالحذر والحذر ‏{‏خطاء‏}‏ بالمد والكسر‏:‏ مكي ‏{‏وَلا تَقْرَبُوا الزنى‏}‏ القصر فيه أكثر والمدلغة وقد قرئ به وهو نهي عن دواعي الزنا كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال «ولا تزنوا» ‏{‏إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً‏}‏ معصية مجاوزة حد الشرع والعقل ‏{‏وَسَآءَ سَبِيلاً‏}‏ وبئس طريقاً طريقه ‏{‏وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ‏}‏ أي بارتكاب ما يبيح الدم ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلوماً‏}‏ غير مرتكب ما يبيح الدم ‏{‏فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً‏}‏ تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه ‏{‏فَلا يسْرِف فِّي الْقَتْلِ‏}‏ الضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة أهل الجاهلية، أو الإسراف المثلة، أو الضمير للقاتل الأول ‏{‏فلا تسرف‏}‏ حمزة وعلي على خطاب الولي أو قاتل المظلوم ‏{‏إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً‏}‏ الضمير للولي أي حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، أو للمظلوم أي الله ناصره حيث أوجب القصاص بقتله وينصره في الآخرة بالثواب، أو للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه كان منصوراً بإيجاب القصاص على المسرف‏.‏ وظاهر الآية يدل على أن القصاص يجري بين الحر والعبد وبين المسلم والذمي لأن أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في الآية لكونها محرمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 39‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‏(‏34‏)‏ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏35‏)‏ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ‏(‏36‏)‏ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ‏(‏37‏)‏ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏ بالخصلة والطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره ‏{‏حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‏}‏ أي ثماني عشرة سنة ‏{‏وَأَوْفُوا بِالْعَهْد‏}‏ بأوامر الله تعالى ونواهيه ‏{‏إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً‏}‏ مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو أن صاحب العهد كان مسؤولاً ‏{‏وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ‏}‏ بكسر القاف‏:‏ حمزة وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم وغيرها‏.‏ وقيل هو القرسطون أي القبان ‏{‏الْمُسْتَقِيمِ‏}‏ المعتدل ‏{‏ذَلِكَ خَيْرٌ‏}‏ في الدنيا ‏{‏وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما يؤول إليه‏.‏

‏{‏وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ ولا تتبع ما لم تعلم أي لا تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت‏.‏ وعن ابن الحنفية‏:‏ لا تشهد بالزور‏.‏ وعن ابن عباس‏.‏ لا ترم أحداً بما لا تعلم‏.‏ ولا يصح التثبت به لمبطل الاجتهاد لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات، وأقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخبر الواحد لما ذكرنا ‏{‏إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً‏}‏ ‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد لأن ‏{‏أولئك‏}‏ كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول جرير

ذم المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيش بعد أولئك الأيام

و ‏{‏عنه‏}‏ في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه، فمسؤول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في ‏{‏غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 7‏]‏

يقال للإنسان‏.‏ لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه‏؟‏ كذا في الكشاف، وفيه نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن الفعل، فأما إذا تقدما فلا ‏{‏وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا‏}‏ هو حال أي ذا مرح ‏{‏إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض‏}‏ لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئتك ‏{‏وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً‏}‏ بتطاولك وهو تهكم بالمختال أو لن تحاذيها قوة وهو حال من الفاعل أو المفعول ‏{‏كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ‏}‏ كوفي وشامي على إضافة سيء إلى ضمير «كل»‏.‏ ‏{‏سيئة‏}‏ غيرهم ‏{‏عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا‏}‏ ذكر ‏{‏مكروهاً‏}‏ لأن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ألا تراك تقول‏:‏ «الزنا سيئة»، كما تقول‏:‏ «السرقة سيئة»، فإن قلت‏:‏ الخصال المذكورة بعضها سييء وبعضها حسن ولذلك قرأ من قرأ ‏{‏سيئة‏}‏ بالإضافة أي ما كان من المذكور سيئاً كان عند الله مكروهاً فما وجه قراءة من قرأ ‏{‏سيئة‏}‏ قلت‏:‏ كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما تقدم من قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏ إلى هذه الغاية ‏{‏مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة‏}‏ مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا‏}‏ مطروداً من الرحمة‏.‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها‏:‏ ‏{‏لا تجعل مع الله إلها آخر‏}‏ وآخرها ‏{‏مدحوراً‏}‏ ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمة وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم‏.‏ ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات الله بقوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 42‏]‏

‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏أَفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين‏}‏ الهمزة للإنكار يعني أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون ‏{‏واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا‏}‏ واتخذ أدونهم وهي البنات وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم، فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها ويكون أردؤها وأدونها للسادات ‏{‏إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا‏}‏ حيث أضفتم إليه الأولاد وهي من خواص الأجسام، ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان‏}‏ أي التنزيل والمراد ولقد صرفناه أي هذا المعنى في مواضع من التنزيل فترك الضمير لأنه معلوم ‏{‏لّيَذْكُرُواْ‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ حمزة وعلي، أي كررناه ليتعظوا ‏{‏وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا‏}‏ عن الحق‏.‏ وكان الثوري إذ قرأها يقول‏:‏ زادني لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً ‏{‏قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ‏}‏ مع الله ‏{‏أألِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ‏}‏ وبالياء مكي وحفص‏.‏ ‏{‏إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً‏}‏ يعني لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو لتقربوا إليه كقوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة‏}‏ ‏{‏وإذاً‏}‏ دالة على أن ما بعدها وهو ‏{‏لابتغوا‏}‏ جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل «لو»

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 46‏]‏

‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏43‏)‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏44‏)‏ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ‏(‏45‏)‏ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ‏}‏ وبالتاء‏:‏ حمزة وعلي ‏{‏عَلَوْاْ‏}‏ أي تعاليا والمراد البراءة من ذلك والنزاهة ‏{‏كَبِيراً‏}‏ وصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به‏.‏

‏{‏تُسَبّحُ‏}‏ وبالتاء‏:‏ عراقي غير أبي بكر ‏{‏لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَئ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ‏}‏ أي يقول سبحان الله وبحمده‏.‏ عن السدي قال عليه السلام‏:‏ «ما اصطيد حوت في البحر ولا طائر يطير لا بما يضيع من تسبيح الله تعالى» ‏{‏ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏}‏ لاختلاف اللغات أو لتعسر الإدراك أو سبب لتسبيح الناظر إليه، والدال على الخير كفاعله‏.‏ والوجه الأول ‏{‏إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا‏}‏ عن جهل العباد ‏{‏غَفُوراً‏}‏ لذنوب المؤمنين‏.‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا‏}‏ ذا ستر أو حجاباً لا يرى فهو مستور ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً‏}‏ جمع كنان وهو الذي يستر الشيء ‏{‏أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏ كراهة أن يفقهوه ‏{‏وفي ءاذانهم وقراً‏}‏ ثقلاً يمنع عن الاستماع ‏{‏وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده‏}‏ يقال‏:‏ وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله يحد وحده بمعنى واحداً ‏{‏وَلَّوْاْ على أدبارهم‏}‏ رجعوا على أعقابهم ‏{‏نُفُورًا‏}‏ مصدر بمعنى التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود أي يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 51‏]‏

‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ‏(‏47‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏49‏)‏ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ‏(‏50‏)‏ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ‏}‏ أي نحن أعلم بالحال أو الطريقة التي يستمعون القرآن بها، فالقرآن هو المستمع وهو محذوف و‏{‏به‏}‏ حال وبيان ل «ما» أي يستمعون القرآن هازئين لا جادين والواجب عليهم أن يستمعوه جادين ‏{‏إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏}‏ نصب ب ‏{‏أعلم‏}‏ أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ‏{‏وَإِذْ هُمْ نجوى‏}‏ وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ‏{‏إِذْ يَقُولُ الظالمون‏}‏ بدل من ‏{‏إذ هم‏}‏ ‏{‏إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا‏}‏ سحر فجن ‏{‏انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال‏}‏ مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون، ‏{‏فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً‏}‏ أي فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه فهو متحير في أمره لا يدري ما يصنع‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ أي منكرو البعث ‏{‏أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً‏}‏ أي مجدداً و‏{‏خلقاً‏}‏ حال أي مخلوقين ‏{‏قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ‏}‏ أي السماوات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول الحياة ‏{‏فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ‏}‏ يعيدكم ‏{‏الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة بعدما كنتم عظاماً يابسة مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة وهو أن تكونوا حجارة أو حديداً لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة ‏{‏فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ‏}‏ فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاءً ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هُوَ‏}‏ أي البعث استبعاداً له ونفياً ‏{‏قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏ أي هو قريب و«عسى» للوجوب

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 55‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏52‏)‏ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏53‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏54‏)‏ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ‏}‏ إلى المحاسبة وهو يوم القيامة ‏{‏فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ‏}‏ أي تجيبون حامدين والباء للحال‏.‏ عن سعيد بن جبير‏:‏ ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك ‏{‏وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ أي لبثاً قليلاً أو زماناً قليلاً في الدنيا أو في القبر‏.‏

‏{‏وَقُل لّعِبَادِى‏}‏ وقل للمؤمنين ‏{‏يَقُولُواْ‏}‏ للمشركين الكلمة ‏{‏التى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ وألين ولا يخاشنوهم وهي أن يقولوا يهديكم الله ‏{‏إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ‏}‏ يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض ليوقع بينهم المشاقة‏.‏ والنزغ‏:‏ إيقاع الشر وإفساد ذات البين‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ ‏{‏ينزغ‏}‏ بالكسر وهما لغتان ‏{‏إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا‏}‏ ظاهر العداوة أو فسر ‏{‏التي هي أحسن‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ‏}‏ بالهداية والتوفيق ‏{‏أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ‏}‏ بالخذلان أي يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏إن الشيطان ينزع بينهم‏}‏‏.‏ اعتراض ‏{‏وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً‏}‏ حافظاً لأعمالهم وموكولاً إليك أمرهم وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالمداراة ‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السماوات والأرض‏}‏ وبأحوالهم وبكل ما يستأهل كل واحد منهم‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ‏}‏ فيه إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله‏:‏ ‏{‏وءاتينا داوُود زَبوراً‏}‏ دلالة على وجه تفضيله وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في زبور داود قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وهم محمد وأمته‏.‏ ولم يعرف الزبور هنا وعرفه في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزبور‏}‏ لأنه كالعباس وعباس والفضل وفضل

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 58‏]‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ‏(‏56‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏(‏57‏)‏ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم‏}‏ إنها آلهتكم ‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ من دون الله وهم الملائكة، أو عيسى وعزير، أو نفر من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا ‏{‏فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً‏}‏ أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر ‏{‏أولئك‏}‏ مبتدأ ‏{‏الذين يَدْعُونَ‏}‏ صفة أي يدعونهم آلهة أو يعبدونهم والخبر ‏{‏يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة‏}‏ يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله عز وجل ‏{‏أَيُّهُم‏}‏ بدل من واو يبتغون و«أي» موصولة أي يبتغي من هو ‏{‏أَقْرَبُ‏}‏ منهم الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل‏:‏ يحرصون أيهم يكون أقرب إِلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير ‏{‏وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ‏}‏ كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم ‏{‏وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏ قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ‏{‏كَانَ ذلك فِى الكتاب‏}‏ في اللوح المحفوظ ‏{‏مَسْطُورًا‏}‏ مكتوباً‏.‏ وعن مقاتل‏:‏ وجدت في كتب الضحاك في تفسيرها‏:‏ أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف‏.‏ أما خراسان فعذابها ضروب، وأما بلخ فتصيبهم هدَّة فيهلك أهلها، وأما بدخشان فيخربها أقوام، وأما ترمذ فأهلها يموتون بالطاعون، وأما صغانيان إلى ولشجرد فيقتلون بقتل ذريع، وأما سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلاً ذريعاً، وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب وخوارزم، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطاً وجوعاً، وأما مرو فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد، وأما هراة فيمطرون بالحيات فتأكلهم أكلاً، وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم، وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم، وأما أرمينية وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف، وأما همذان فالديلم يدلخها ويخربها، وأما حلوان فتمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر، فويل لأهلها ولأهل دمشق، وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس، وأما سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياماً ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما كرمان وأصبهان وفارس فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت الأبدان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون‏}‏ استعير المنع لترك إرسال الآيات‏.‏ و«أن» الأولى مع صلتها في موضع النصب لأنها مفعول ثان ل ‏{‏منعنا‏}‏ و«أن» الثانية مع صلتها في موضع الرفع لأنها فاعل ‏{‏منعنا‏}‏ والتقدير‏:‏ وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين‏.‏ والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال‏.‏ والمعنى‏:‏ وما منعنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة‏.‏ ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام، لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال‏:‏ ‏{‏وءَاتينا ثمود الناقة‏}‏ باقتراحهم ‏{‏مُبْصِرَةً‏}‏ آية بينة ‏{‏فَظَلَمُواْ بِهَا‏}‏ فكفروا بها ‏{‏وَمَا نُرْسِلُ بالآيات‏}‏ إن أراد بها الآيات فالمعنى لا نرسلها ‏{‏إِلاَّ تَخْوِيفًا‏}‏ من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم، وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفاً وإنذاراً بعذاب الآخرة وهو مفعول له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏وَإذا قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش علماً وقدرة فكلهم في قبضته، فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به، أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله‏:‏ ‏{‏سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر‏}‏ ‏{‏قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 12‏]‏ فجعله كأن قد كان ووجد فقال‏:‏ أحاط بالناس على سنته في إخباره، ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر‏:‏ «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يومئ إلى الأرض ويقول‏:‏ «هذا مصرع فلان» فتسامعت قريشاً بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر بدر وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به استهزاء‏.‏ ‏{‏والشجرة الملعونة فِى القرءان‏}‏ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله‏:‏ ‏{‏إن شجرة الزقوم طعام الأثيم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 43‏]‏ جعلوها سخرية وقالوا‏:‏ إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول‏:‏ تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار، فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها، وخلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها، فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها‏.‏ والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفاً للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وخوفوا بعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنُخَوّفُهُمْ‏}‏ أي بمخاوف الدنيا والآخرة ‏{‏فَمَا يَزِيدُهُمْ‏}‏ التخويف ‏{‏إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏ فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات‏؟‏ وقيل‏:‏ الرؤيا هي الإسراء، والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول‏:‏ كان الإسراء في المنام، ومن قال‏:‏ كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية‏.‏ وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعاداً منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله ‏{‏فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 91‏]‏ ‏{‏أَيْنَ شُرَكَائِىَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 27‏]‏ أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة، والفتنة الصد بالحديبية‏.‏ فإن قلت‏:‏ ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم‏.‏ قلت‏:‏ معناه‏:‏ والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة لأنه قال ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون * لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 53، 52‏]‏ فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول‏:‏ لكل طعام مكروه ضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 62‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ‏(‏61‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}‏ هو تمييز أو حال من الموصول، والعامل فيه ‏{‏أأسجد‏}‏ على أأسجد له وهو طين أي أصله طين ‏{‏قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى‏}‏ الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيداً هذا مفعول به والمعنى أخبرني عن هذا الذي ‏{‏كَرَّمْتَ عَلَيَّ‏}‏ أي فضلته، لم كرمته علي وأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فحذف ذلك اختصاراً لدلالة ما تقدم عليه‏.‏ ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَخَّرْتَنِ‏}‏ وبلا ياء‏:‏ كوفي وشامي‏.‏ واللام موطئة للقسم المحذوف ‏{‏إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ‏}‏ لأستأصلنهم بإغوائهم ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ وهم المخلصون‏.‏ قيل‏:‏ من كل ألف واحد‏.‏ وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 66‏]‏

‏{‏قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ‏(‏63‏)‏ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏64‏)‏ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ‏(‏65‏)‏ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ اذهب‏}‏ ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخلية‏.‏ ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره فقال‏:‏ ‏{‏فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ‏}‏ والتقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل ‏{‏جزاؤكم‏}‏ وانتصب ‏{‏جَزَاء مَّوفُورًا‏}‏ أي موفراً بإضمار تجازون ‏{‏واستفزز‏}‏ استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف‏.‏ ‏{‏مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ‏}‏ بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار ‏{‏وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم‏}‏ اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح ‏{‏بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ‏}‏ بكل راكب وماش من أهل العيث، فالخيل الخيالة، والرجل اسم جمع للراجل ونظيره الركب والصحب ‏{‏ورجلك‏}‏ حفص على أن فعلاً بمعنى فاعل كتعب وتاعب، ومعناه وجمعك الرِجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال ‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال والأولاد‏}‏ قال الزجاج‏:‏ كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية بعبد العزى وعبد شمس ‏{‏وَعِدْهم‏}‏ المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك ‏{‏وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً‏}‏ هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب ‏{‏أَن عِبَادِى‏}‏ الصالحين ‏{‏لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان‏}‏ يد بتبديل الإيمان ولكن بتسويل العصيان ‏{‏وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً‏}‏ لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك أو حافظاً لهم عنك، والكل أمر تهديد فيعاقب به أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي‏.‏

‏{‏رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى‏}‏ يجري ويسير ‏{‏لَكُمُ الفلك فِى البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ‏}‏ يعني الربح في التجارة ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ‏(‏67‏)‏ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ‏(‏68‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر‏}‏ أي خوف الغرق ‏{‏ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ‏}‏ ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه، أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع ‏{‏فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ‏}‏ عن الإخلاص بعد الخلاص ‏{‏وَكَانَ الإنسان‏}‏ أي الكافر ‏{‏كَفُورًا‏}‏ للنعم ‏{‏أَفَأَمِنتُمْ‏}‏ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تفديره‏:‏ أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر‏}‏ انتصب ‏{‏جانب‏}‏ ب ‏{‏يخسف‏}‏ مفعولاً به كالأرض في قوله‏:‏ ‏{‏فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 81‏]‏ و‏{‏بكم‏}‏ حال، والمعنى أن يخسف جانب البر أي يقلبه وأنتم عليه، والحاصل أن الجوابب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب أو براً كان أو بحراً، من أسباب الهلاك ليس جانب البحر وحده مختصاً به، بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف، وهو تغييب تحت التراب والغرق تغييب تحت الماء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان ‏{‏أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا‏}‏ هي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً‏}‏ يصرف ذلك عنكم ‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم فينتقم منكم بأن يرسل عليكم ‏{‏قَاصِفًا مّنَ الريح‏}‏ وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد أو هو الكاسر للفلك ‏{‏فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ‏}‏ بكفرانكم النعمة هو إعراضكم حين نجاكم ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا‏}‏ مطالباً من قوله‏:‏ ‏{‏فاتباع بالمعروف‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏ أي مطالبة، والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجدوا أحداً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودركاً للنار من جهتنا وهذا نحو قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَخَافُ عقباها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 16‏]‏ ‏{‏أن نخسف‏}‏ ‏{‏أو نرسل‏}‏ ‏{‏أن نعيدكم‏}‏ ‏{‏فنرسل‏}‏ ‏{‏فنغرقكم‏}‏ بالنون‏:‏ مكي وأبو عمرو‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 71‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‏(‏70‏)‏ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ‏}‏ بالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير الأشياء وتناول الطعام بالأيدي‏.‏ وعن الرشيد أنه أحضر طعاماً فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف رحمه الله تعالى فقال له‏:‏ جاء في تفسير جدك ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ‏}‏ جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه ‏{‏وحملناهم فِى البر‏}‏ على الدواب ‏{‏والبحر‏}‏ على السفن ‏{‏وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات‏}‏ باللذيذات أو بما كسبت أيديهم ‏{‏وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً‏}‏ أي على الكل كقوله ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 223‏]‏ قال الحسن‏:‏ أي كلهم وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 36‏]‏ ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع‏.‏ وعنه عليه السلام‏:‏ ‏"‏ المؤمن أكرم على الله من الملائكة ‏"‏ وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة‏.‏ وفي البهائم شهوة بلا عقل، وفي الآدمي كلاهما، فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه ‏{‏يَوْمَ نَدْعُواْ‏}‏ منصوب ب «اذكر» ‏{‏كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم‏}‏ الباء للحال والتقدير مختلطين بإمامهم أي بمن ائتموا به من نبي، أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال‏:‏ يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا أو كتاب كذا‏.‏ وقيل‏:‏ بكتاب أعمالهم فيقال‏:‏ يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر ‏{‏فَمَنْ أُوتِىَ‏}‏ من هؤلاء المدعوين ‏{‏كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم‏}‏ وإنما قيل أولئك لأن «من» في معنى الجمع ‏{‏وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً‏}‏ ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء‏.‏ ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 74‏]‏

‏{‏وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏72‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ‏(‏73‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَن كَانَ فِى هذه‏}‏ الدنيا ‏{‏أعمى فَهُوَ فِى الآخرة أعمى‏}‏ كذلك ‏{‏وَأَضَلُّ سَبِيلاً‏}‏ من الأعمى أي أضل طريقاً، والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه‏.‏ وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف ‏{‏وأضل‏}‏ ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالاً والثاني مفخماً، لأن أفعل التفضيل تمامه ب «من» فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت الإمالة، وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون‏.‏

ولما قالت قريش اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك نزل ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ‏}‏ «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ‏{‏عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ‏{‏لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ‏}‏ لتتقول علينا ما لم نقل يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً ‏{‏وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً‏}‏ أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ‏{‏وَلَوْلاَ أَن ثبتناك‏}‏ ولولا تثبيتنا وعصمتنا ‏{‏لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ‏}‏ لقاربت أن تميل إلى مكرهم ‏{‏شَيْئًا قَلِيلاً‏}‏ ركوناً، قليلاً وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 81‏]‏

‏{‏إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏76‏)‏ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ‏(‏77‏)‏ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏(‏78‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏(‏79‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏(‏80‏)‏ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ‏(‏81‏)‏‏}‏

‏{‏إِذَا‏}‏ لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة ‏{‏إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات‏}‏ لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك كما قال‏:‏ ‏{‏يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 30‏]‏ الآية‏.‏ وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات لأن العذاب عذابان‏:‏ عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار‏.‏ والعذاب يوصف بالضعف كقوله‏:‏ ‏{‏فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 38‏]‏ أي مضاعفاً فكأن أصل الكلام لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات‏.‏ ويجوز أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار‏.‏ وفي ذكر الكيدودة وتقليلها مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله، ولما نزلت كان عليه السلام يقول‏:‏ ‏"‏ اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ‏"‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا‏}‏ معيناً لك يمنع عذابنا عنك‏.‏

‏{‏وَإِن كَادُواْ‏}‏ أي أهل مكة ‏{‏لَيَسْتَفِزُّونَكَ‏}‏ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ‏{‏مّنَ الأرض‏}‏ من أرض مكة ‏{‏لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ‏}‏ لا يبقون ‏{‏خلافك‏}‏ بعدك أي بعد إخراجك ‏{‏خلافك‏}‏ كوفي غير أبي بكر وشامي بمعناه ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ زماناً قليلاً فإن الله مهلكهم وكان كما قال‏:‏ فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل، أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ربه‏.‏ وقيل‏:‏ من أرض العرب أو من أرض المدينة ‏{‏سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا‏}‏ يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ‏{‏وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً‏}‏ تبديلاً‏.‏

‏{‏أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس‏}‏ لزوالها‏.‏ على هذه الآية جامعة للصلوات الخمس، أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر ‏{‏إلى غَسقِ الليل‏}‏ هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء ‏{‏وقرءان الفجر‏}‏ صلاة الفجر سميت قرآناً وهو القراءة لكونها ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً، وهو حجة على الأَصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن، أو سميت قرآناً لطول قراءتها وهو عطف على ‏{‏الصلاة‏}‏ ‏{‏إن قرءان الفجر كان مشهوداً‏}‏ يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة ‏{‏وَمِنَ اليل‏}‏ وعليك بعض الليل ‏{‏فَتَهَجَّدْ‏}‏ والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم أيضاً تهجد ‏{‏بِهِ‏}‏ بالقرآن ‏{‏نَافِلَةً لَّكَ‏}‏ عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع ‏{‏نافلة‏}‏ موضع «تهجداً» لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد، والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم ‏{‏عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا‏}‏ نصب على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور، ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد‏.‏

‏{‏وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏ هو مصدر أي أدخلني القبر إدخالاً مرضياً على طهارة من الزلات ‏{‏وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏ أي أخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً ملقى بالكرامة آمناً من الملامة، دليله ذكره على أثر ذكر البعث‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان ‏{‏واجعل لّي مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا‏}‏ حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً وعزاً قوياً ناصراً للإسلام على الكفر مظهراً له عليه ‏{‏وَقُلْ جَاء الحق‏}‏ الإسلام ‏{‏وَزَهَقَ‏}‏ وذهب وهلك ‏{‏الباطل‏}‏ الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان ‏{‏إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا‏}‏ كان مضمحلاً في كل أوان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 85‏]‏

‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ‏(‏83‏)‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ‏(‏84‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏وَنُنَزّلُ‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ أبو عمرو ‏{‏مِن القرآن‏}‏ «من» للتبيين ‏{‏مَا هُوَ شِفَاء‏}‏ من أمراض القلوب ‏{‏وَرَحْمَةً‏}‏ وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب ‏{‏لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ‏"‏ ‏{‏وَلاَ يَزِيدُ الظالمين‏}‏ الكافرين ‏{‏إَلاَّ خَسَارًا‏}‏ ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم ‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان‏}‏ بالصحة والسعة ‏{‏أَعْرَضَ‏}‏ عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض ‏{‏وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏ تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أي يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين ‏{‏نأى‏}‏ بالأمالة‏:‏ حمزة وبكسرها عليَّ ‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر‏}‏ الفقر والمرض أو نازلة من النوازل ‏{‏كَانَ يَئُوساً‏}‏ شديد اليأس من روح الله ‏{‏قُلْ كُلٌّ‏}‏ أي كل أحد ‏{‏يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ‏}‏ على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال ‏{‏فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً‏}‏ أسد مذهباً وطريقة‏.‏

‏{‏وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏ أي من أمر يعلمه ربي، الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان، سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه‏.‏ وعن أبي هريرة‏:‏ لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه‏.‏ والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز، ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان‏.‏ وقيل‏:‏ هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو جبريل عليه السلام‏:‏ ‏{‏نزل به الروح الأمين على قلبك‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 193‏]‏ وعن الحسن‏:‏ القرآن دليله‏:‏ ‏{‏وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ ولأن به حياة القلوب و‏{‏من أمر ربي‏}‏ أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر‏.‏ ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم‏.‏ وقيل‏:‏ كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من أمر ربي‏}‏ دليل خلق الروح فكان هذا جواباً ‏{‏وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ الخطاب عام

فقد رُويَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا‏:‏ نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال‏:‏ ‏"‏ بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً ‏"‏ وقيل‏:‏ هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت ‏{‏وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 269‏]‏ فقيل لهم‏:‏ إن علم التوراة قليل في جنب علم الله‏.‏ فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة‏.‏ ثم نبه على نعمة الوحي وعزاه بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ ‏{‏لنذهبن‏}‏ جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط، واللام الداخلة على «إن» توطئة للقسم، والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً‏}‏ أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطوراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 91‏]‏

‏{‏إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ‏(‏87‏)‏ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ‏(‏88‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏89‏)‏ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ‏(‏90‏)‏ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا‏}‏ أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه ونزل جواباً لقول النضر‏:‏ ‏{‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 21‏]‏

‏{‏قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏ معيناً و‏{‏لا يأتون‏}‏ جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جواباً للشرط كقوله‏:‏

يقول لا غائب مالي ولا حرم *** لأن الشرط وقع ماضياً أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا‏}‏ رددنا وكررنا ‏{‏لِلنَّاسِ فِي هذا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ‏}‏ من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه ‏{‏فأبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً‏}‏ جحوداً‏.‏ وإنما جاز ‏{‏فأبى أكثر الناس إلا كفوراً‏}‏ ولم يجز «ضربت إلا زيداً» لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل‏:‏ فلم يرضوا إلا كفوراً‏.‏ ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم بالحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير‏.‏

‏{‏وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تفْجُرَ لَنَا‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ كوفي ‏{‏مِنَ الأرْضِ‏}‏ أي مكة ‏{‏يَنبُوعاً‏}‏ عيناً غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع، يفعول من نبع الماء ‏{‏أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ‏}‏ والتشديد هنا مجمع عليه ‏{‏الأنْهَارَ خَلالَهَا‏}‏ وسطها ‏{‏تَفْجيراً‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 94‏]‏

‏{‏أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ‏(‏92‏)‏ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏93‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً‏}‏ بفتح السين‏:‏ مدني وعاصم‏.‏ أي قطعاً يقال‏:‏ أعطني كسفة من هذا الثوب‏.‏ وبسكون السين‏:‏ غيرهما جمع كسفة كسدرة وسدر يعنون قوله ‏{‏إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء‏}‏ ‏{‏‏[‏سبأ‏:‏ 9‏]‏‏}‏ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً‏}‏ كفيلاً بما تقول شاهداً بصحته، والمعنى أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبلاً كقوله‏:‏ «كنت منه ووالدي برياً» أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر ونحوه‏:‏ ‏{‏لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 21‏]‏ أو جماعة حالاً من الملائكة ‏{‏أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ‏}‏ ذهب ‏{‏أَوْ ترقى في السَّمَآءِ‏}‏ تصعد إليها ‏{‏وَلَنْ نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ‏}‏ لأجل رقيك ‏{‏حتى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ أبو عمرو ‏{‏كِتاباً‏}‏ أي من السماء فيه تصديقك ‏{‏تقرؤُه‏}‏ صفة كتاب ‏{‏قُلْ‏}‏ ‏{‏قال‏}‏ مكي وشامي أي قال الرسول ‏{‏سُبْحَانَ رَبِّي‏}‏ تعجب من اقتراحاتهم عليه ‏{‏هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً‏}‏ أي أنا رسول كسائر الرسل بشر مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات فليس أمر الآيات إلى إنما هو إلى الله، فما بالكم تتخيرونها علي ‏{‏وَمَا مَنَعَ النَّاسَ‏}‏ يعني أهل مكة، ومحل ‏{‏أَن يُؤْمِنُوا‏}‏ نصب بأنه مفعول ثان ل ‏{‏منع‏}‏ ‏{‏إِذْ جَآءَهُمُ الهدى‏}‏ النبي والقرآن ‏{‏إِلاَّ أَن قَالُوا‏}‏ فاعل ‏{‏منع‏}‏ والتقدير‏:‏ وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا قولهم ‏{‏أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً‏}‏ أي إلا شبهة تمكنت في صدورهم وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر، والهمزة في ‏{‏أبعث الله‏}‏ للإنكار وما أنكروه ففي قضية حكمته منكر‏.‏

ثم رد الله عليهم بقوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 97‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ‏(‏95‏)‏ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏96‏)‏ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لَّوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ‏}‏ على أقدامهم كما يمشي الإنس، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه ‏{‏مُطْمَئِنِّينَ‏}‏ حال أي ساكنين في الأرض قارين ‏{‏لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً‏}‏ يعلمهم الخير ويهديهم المراشد، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم و‏{‏بشراً‏}‏ و‏{‏ملكاً‏}‏ حالان من ‏{‏رسولاً‏}‏ ‏{‏قُلْ كفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏ على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتك وعاندتم‏.‏ ‏{‏شهيداً‏}‏ تمييز أو حال ‏{‏إِنَّهُ كَان بِعِبَادِهِ‏}‏ المنذرين والمنذرين ‏{‏خَبِيراً‏}‏ عالماً بأحوالهم ‏{‏بَصِيراً‏}‏ بأفعالهم فهو مجازيهم وهذه تسلية لرسول الله عليه السلام ووعيد للكفرة ‏{‏وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ‏}‏ وبالياء‏:‏ يعقوب وسهل، وافقهما أبو عمرو، ومدني في الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله ‏{‏وَمَنْ يُضْلِلْ‏}‏ أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان ‏{‏فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ‏}‏ أي أنصاراً ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على وُجُوهِهِمْ‏}‏ أي يسحبون عليها كقوله ‏{‏يوم يسحبون في النار على وجوههم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 48‏]‏ وقيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام كيف يمشون على وجوههم‏؟‏ قال‏:‏ «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» ‏{‏عُمْياً وَبُكْماً وَصُمَّاً‏}‏ كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم ‏{‏مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ‏}‏ طفئ لهبها ‏{‏زِدْنَاهُمْ سَعِيراً‏}‏ توقدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 101‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏98‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ‏(‏100‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوآ أَئذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً‏}‏ أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها، لا يزالون على ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث‏.‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا‏}‏ أو لم يعلموا ‏{‏أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏}‏ من الإنس ‏{‏وَجَعَلَ لَهُمْ أَجلاً لاَّ رَيْبَ فِيه‏}‏ وهو الموت أو القيامة ‏{‏فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كَفُوراً‏}‏ جحوداً مع وضوح الدليل ‏{‏قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ‏}‏ تقديره‏:‏ لو تملكون أنتم لأن «لو» تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها فأضمر تملك على شريطة التفسير وأبدل من الضمير المتصل وهو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما يتصل به من اللفظ ف ‏{‏أنتم‏}‏ فاعل الفعل المضمر و‏{‏تملكون‏}‏ تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب‏.‏ وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن ‏{‏أنتم تملكون‏}‏ فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ ‏{‏خَزَآئِنَ رَحْمَةِ ربي‏}‏ رزقه وسائر نعمه على خلقه ‏{‏إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ‏}‏ أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق ‏{‏وَكَانَ الإنْسانُ قَتُوراً‏}‏ بخيلاً‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل‏.‏ وعن الحسن‏:‏ الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور ‏{‏فَاسْألْ بني إِسْرَاءِيلَ‏}‏ فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل‏.‏ وقوله ‏{‏إِذْ جاءهم‏}‏ متعلق بقوله المحذوف أي فقلنا له سلهم حين جاءهم ‏{‏فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً‏}‏ سحرت فخولط عقلك

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 105‏]‏

‏{‏قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ‏(‏102‏)‏ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ‏(‏103‏)‏ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ‏(‏104‏)‏ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ أي موسى ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ‏}‏ يا فرعون ‏{‏مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ‏}‏ الآيات ‏{‏إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ خالقهما ‏{‏بَصَآئِرَ‏}‏ حال أي بينات مكشوفات إلا أنك معاند ونحوه ‏{‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏علمت‏}‏ بالضم‏:‏ عليّ أي إني لست بمسحور كما وصفتني بل أنا عالم بصحة الأمر، وأن هذه الآيات منزلها رب السماوات والأرض‏.‏ ثم قارع ظنه بظنه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَافرِعَوْنُ مَثْبُوراً‏}‏ كأنه قال‏:‏ إن ظننتني مسحوراً فأنَا أظنك مثبوراً هالكاً وظني أصح من ظنك لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت، لأن قولك مع علمك بصحة أمري ‏{‏إني لأظنك مسحوراً‏}‏ قول كذب‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مثبوراً مصروفاً عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن هذا» أي ما منعك وصرفك‏؟‏ ‏{‏فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم‏}‏ يخرجهم أي موسى وقومه ‏{‏مِّنَ الأرْضِ‏}‏ أي أرض مصر أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال ‏{‏فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً‏}‏ فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه ‏{‏وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ من بعد فرعون ‏{‏لبني إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ‏}‏ التي أراد فرعون أن يستفزكم منها‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرَةِ‏}‏ أي القيامة ‏{‏جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً‏}‏ جمعاً مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم وأشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى‏.‏

‏{‏وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ‏}‏ وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظاً بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين‏.‏ قال الراوي‏:‏ اشتكى محمد بن السماك فأخذنا ماءه وذهبنا به إلى طبيب نصراني، فاستقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب فقال لنا‏:‏ إلى أين‏؟‏ فقلنا له‏:‏ إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السماك‏.‏ فقال‏:‏ سبحان الله تستعينون على ولي الله بعدو الله‏!‏ اضربوه على الأرض وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له‏:‏ ضع يدك على موضع الوجع وقل‏:‏ ‏{‏وبالحق أنزلناه وبالحق نزل‏}‏ ثم غاب عنا فلم نره فرجعنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل وعوفي في الوقت وقال‏:‏ كان ذلك الخضر عليه السلام ‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً‏}‏ بالجنة ‏{‏وَنَذِيراً‏}‏ من النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 108‏]‏

‏{‏وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ‏(‏106‏)‏ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ‏(‏107‏)‏ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏وَقُرْآناً‏}‏ منصوب بفعل يفسره ‏{‏فَرَقْنَاهُ‏}‏ أي فصلناه أو فرقنا فيه الحق من الباطل ‏{‏لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ على مُكْثٍ‏}‏ على تؤدة وتثبت ‏{‏وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً‏}‏ على حسب الحوادث ‏{‏قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا‏}‏ أي اختاروا لأنفسكم النعيم المقيم أو العذاب الأليم‏.‏ ثم علل بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ‏}‏ أي التوراة من قبل القرآن ‏{‏إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ‏}‏ القرآن ‏{‏يُخِرُّونَ للأذْقَانِ سُجَّداً‏}‏ حال ‏{‏وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً‏}‏ لقوله ‏{‏آمنوا به أو لا تؤمنوا‏}‏ أي أعرض عنهم فإنهم إن لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بالقرآن فإن خيراً منهم وهم العلماء الذين قرءوا الكتب قد آمنوا به وصدقوه، فإذا تلي عليهم خروا سجداً وسبحوا الله تعظيماً لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه وهو المراد بالوعد المذكور‏.‏ «إن» بمعنى «إنه» وهي تؤكد الفعل كما أن «إن» تؤكد الاسم، وكما أكدت «إن» باللام في ‏{‏إنهم لمحضرون‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 158‏]‏ أكدت «إن» باللام في ‏{‏لمفعولا‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 111‏]‏

‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ‏(‏109‏)‏ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏110‏)‏ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ‏}‏ ومعنى الخرور للذقن السقوط على الوجه، وإنما خص الذقن لأن أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود الذقن‏.‏ يقال‏:‏ خر على وجهه وعلى ذقنه، وخر لوجهه ولذقنه‏.‏ أما معنى «على» فظاهر، وأما معنى اللام فكأنه جعل ذقنه ووجهه للخرور، واختصه به إذ اللام للاختصاص‏.‏ وكرر ‏{‏يخرون للأذقان‏}‏ لاختلاف الحالين وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين وخرورهم في حال كونهم باكين ‏{‏وَيَزِيدُهُمْ‏}‏ القرآن ‏{‏خُشُوعاً‏}‏ لين قلب ورطوبة عين‏.‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرحمن‏}‏ لما سمعه أبو جهل يقول يا الله يا رحمن قال‏:‏ إنه نهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر فنزلت‏.‏ وقيل‏:‏ إن أهل الكتاب قالوا‏:‏ إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت‏.‏ والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، وأو للتخيير أي سموا بهذا الاسم، أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا، والتنوين في ‏{‏أَيَّا مَّا تَدْعُوا‏}‏ عوض من المضاف إليه و«ما» زيدت للتوكيد و«أياً» نصب ب ‏{‏تدعوا‏}‏ وهو مجزوم بأي أي أي هذين الاسمين ذكرتم وسميتم ‏{‏فَلَهُ الأسْمَآءُ الحسنى‏}‏ والضمير في ‏{‏فله‏}‏ يرجع إلى ذات الله تعالى، والفاء لأنه جواب الشرط أي أيَّاماً تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله‏:‏ ‏{‏فله الأسماء الحسنى‏}‏ لأنه إذا حسنت أسماؤه حسن هذان الاسمان لأنهما منها، ومعنى كونها أحسن الأسماء إنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏}‏ بقراءة صلاتك على حذف المضاف لأنه لا يلبس، إذ الجهر والمخافتة تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى ولا تجهر حتى تسمع المشركين ‏{‏وَلا تُخَافِتْ بِهَا‏}‏ حتى لا تسمع من خلفك ‏{‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ‏}‏ بين الجهر والمخافتة ‏{‏سَبِيلاً‏}‏ وسطاً، أو معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار أو بصلاتك بدعائك ‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً‏}‏ كما زعمت اليهود والنصارى وبنو مليح ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ‏}‏ كما زعم المشركون ‏{‏وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ‏}‏ أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر أو لم يوال أحداً من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته ‏{‏وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً‏}‏ وعظمه وصفه بأنه أكبر من أن يكون له ولد أو شريك وسمى النبي عليه السلام الآية آية العز وكان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية‏.‏